السيد كمال الحيدري
225
اللباب في تفسير الكتاب
الرحمة لغةً واستعمالًا الرحمة لغة : رقّة تقتضى الإحسان إلى المرحوم ، وهى عندنا وصف انفعالىّ وتأثّر خاصّ يلمّ بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتمّ به أمره ، فيحمل من اتّصف بها على الرفق بالمرحوم والإحسان إليه ودفع الضرّ عنه وإعانته على المشاقّ ، فهي من الكيفيّات النفسانيّة ، ولتلك الكيفيّة اندفاع يحمل صاحبها على أفعال وجوديّة بقدر استطاعته وعلى قدر قوّة انفعاله . فأصل الرحمة من مقولة الانفعال ، وآثارها من مقولة الفعل ، فإذا وصف موصوف بالرحمة كان معناها حصول الانفعال المذكور في نفسه ، وإذا أخبر عنه بأنّه رَحِم غيره فهو على معنى صدر عنه أثر من آثار الرحمة . « وقد تستعمل تارةً في الرقّة المجرّدة وتارةً في الإحسان المجرّد عن الرقّة ، نحو : رَحِم الله فلاناً ، وإذا وُصف به الباري فليس يُراد به إلّا الإحسان المجرّد دون الرقّة . وعلى هذا روى أنّ الرحمة من الله إنعام وإفضال ، ومن الآدميّين رِقة وتعطّف . وعلى هذا قول النبىّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ذاكراً عن ربّه : إنّه لمّا خلق الرّحم قال له : أنا الرحمن وأنت الرّحم ، شققتُ اسمك من اسمى ، فمَن وصلك وصلته ، ومَن قطعك بتتّه . فذلك إشارة إلى ما تقدّم وهو أنّ الرحمة منطوية على معنيين : الرقّة والإحسان ، فركز تعالى في طبائع الناس الرقّة وتفرّد بالإحسان ، فصار كما أنّ لفظ الرّحم من الرحمة ، فمعناه الموجود في الناس من المعنى الموجود لله تعالى ، فتناسب معناهما تناسب لفظيهما » « 1 » . وعلى هذا فوصف الله تعالى بصفات الرحمة في لسان الشرائع إنّما هو تعبير عن المعاني العالية بأقصى ما تسمح به اللغات مع اعتقاد تنزيه الله عن أعراض المخلوقات بالدليل العامّ على التنزيه ، وهو مضمون قول الله تعالى :
--> ( 1 ) المفردات ، مصدر سابق : ص 191 ، مادّة « رحم » .